محمد بن طولون الصالحي
40
القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية
أمام هذه المشكلة ظهرت عبقرية الدمشقي وألمعيته وظهرت كفاءته ولبقاته ، فقد استطاع أن يلفت إليها انظار جميع العالم الاسلامي وأن يظهرها بالمظهر المقدس ويقيم لها من ضروب الدعاية ما يجعل الناس يحنون إليها ويقصدونها بالزيارة والتواطن بها ، إذ صارت رابع الأماكن المقدسة بعد مكة والمدينة وبيت المقدس . وإذا كان جبل قاسيون هو جزء من أجزاء دمشق لا ينفصل عنها ، بل هو أعظم مظهر من مظاهرها ، كان من اللازم ان يكون له أعظم قسط من أقساط الدعاية والأساطير والقدسية ، وأن موقعه الممتاز باشرافه على الغوطة الفسيحة الارجاء ، ومرور نهري يزيد وثوري في سفحه اللذين يزيدانه جمالا وروعة ونضارة كان أكبر عامل في اغراء الشعراء والأدباء على مدح دمشق وما حولها من الحدائق والمناظر الجميلة مما زاد في الدعاية لها . أحيط قاسيون بالأساطير والأماكن المقدسة ، ففي سفحه الأدنى في بيت أبيات « 1 » كان يسكن أبو البشر آدم ، وفي أعلاه قتل قابيل أخاه هابيل ففتح الجبل فاه لفظاعة هذا العمل يريد أن يبتلع القاتل ، واخذ الجبل يبكي وتسيل دموعه حزنا على هابيل ، وبقي لون الدم على صفحة الصخرة التي قتل عليها هابيل ظاهرا باديا ، وفي كهف جبريل جاءت الملائكة إلى آدم تعزيه بابنه هابيل ، وفي شرقي قاسيون كان مولد إبراهيم الخليل عليه السلام ، وفي غربيه الربوة التي اوى إليها المسيح وأمه عليهما السلام ، وقرب الربوة في النيرب كان مسكن حنة أم مريم جدة المسيح . واخذ الذين يستجيزون وضع الأحاديث في فضائل الأماكن والمواضع ليلفتوا نظر الناس إليها أحاديث مكذوبة
--> ( 1 ) محلة بقيت عامرة إلى آخر القرن التاسع الهجري محلها البوم طاحونة الأشنان .